السيد الطباطبائي
271
تفسير الميزان
منها لما كان أحد طرفي الارتباط أمرا معدوما بعد كمن يرى أن حادثة كذا وقعت ثم وقعت بعد حين كما رأى ولا معنى للارتباط الوجودي بين موجود ومعدوم أو أمرا غائبا عن النفس لم يتصل بها من طريق شئ من الحواس كمن رأى أن في مكان كذا دفينا فيه من الذهب المسكوك كذا ومن الفضة كذا في وعاء صفته كذا وكذا ثم مضى إليه وحفر كما دل عليه فوجده كما رأى ولا معنى للارتباط الادراكي بين النفس وبين ما هو غائب عنها لم ينله شئ من الحواس . ولذا قيل إن الارتباط انما استقر بينها وبين النفس النائمة من جهة اتصال النفس بسبب الحادثة الواقعة الذي فوق عالم الطبيعة فترتبط النفس بسبب الحادثة ومن طريق سببها بنفسها . توضيح ذلك أن العوالم ثلاثة عالم الطبيعة وهو العالم الدنيوي الذي نعيش فيه والأشياء الموجودة فيها صور مادية تجرى على نظام الحركة والسكون والتغير والتبدل . وثانيها عالم المثال وهو فوق عالم الطبيعة وجودا وفيه صور الأشياء بلا مادة منها تنزل هذه الحوادث الطبيعية واليها تعود وله مقام العلية ونسبة السببية لحوادث عالم الطبيعة . وثالثها عالم العقل وهو فوق عالم المثال وجودا وفيه حقائق الأشياء وكلياتها من غير مادة طبيعية ولا صورة وله نسبة السببية لما في عالم المثال . والنفس الانسانية لتجردها لها مسانخة مع العالمين عالم المثال وعالم العقل فإذا نام الانسان وتعطل الحواس انقطعت النفس طبعا عن الأمور الطبيعية الخارجية ورجعت إلى عالمها المسانخ لها وشاهدت بعض ما فيها من الحقائق بحسب ما لها من الاستعداد والامكان . فان كانت النفس كاملة متمكنة من ادراك المجردات العقلية أدركتها واستحضرت أسباب الكائنات على ما هي عليها من الكلية والنورية والا حكتها حكاية خيالية بما تأنس بها من الصور والاشكال الجزئية الكونية كما نحكي نحن مفهوم السرعة الكلية بتصور جسم سريع الحركة ونحكي مفهوم العظمة بالجبل ومفهوم الرفعة والعلو بالسماء وما فيها من الاجرام السماوية ونحكي الكائد المكار بالثعلب والحسود بالذئب